صديق الحسيني القنوجي البخاري

377

فتح البيان في مقاصد القرآن

ينذر به من يظهر عليه الخوف من الحشر عند أن يسمع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يذكره وإن لم يكن مصدقا به في الأصل لكنه يخاف أن يصح ما أخبر به النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم فإن من كان كذلك يكون الموعظة فيه أنجع والتذكير له أنفع . لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ أي حال كونهم لا ولي لهم يواليهم ولا نصير يناصرهم وَلا شَفِيعٌ يشفع لهم من دون اللّه وفيه رد على من زعم من الكفار المعترفين بالحشر أن آباءهم يشفعون لهم وهم أهل الكتاب أو أن أصنامهم تشفع لهم وهم المشركون أو أن المشايخ يشفعون لمريديهم وهم المتصوفة لأن الشفاعة لا تكون إلا بإذن اللّه لقوله عز وجل : مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ [ البقرة : 255 ] عن ابن مسعود قال مر الملأ من قريش على النبي صلى اللّه عليه وسلم وعنده صهيب وعمار وبلال وخباب ونحوهم من ضعفاء المسلمين فقالوا : يا محمد أرضيت بهؤلاء من قومك ، أهؤلاء منّ اللّه عليهم من بيننا أنحن نكون تبعا لهؤلاء ، اطردهم عنا فلعلك إن طردتهم أن نتبعك فأنزل اللّه فيهم وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إلى قوله مِنَ الظَّالِمِينَ وقد أخرج هذا السبب مطولا ابن جرير وابن المنذر عن عكرمة لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ما نهيتهم عنه فيدخلون في زمرة أهل التقوى . وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ الدعاء العبادة مطلقا وقيل المحافظة على صلاة الجماعة ، وقال ابن عباس : الصلاة المكتوبة ، وقال مجاهد : هي الصبح والعصر ، وقال سفيان : أي أهل الفقه ، وقيل الذكر وقراءة القرآن وقيل المراد بالدعاء للّه بجلب النفع ودفع الضرر ، وقيل المراد بذكر الغداة والعشيء الدوام على ذلك والاستمرار وقيل الصلوات الخمس وقيل هو على ظاهرة أي لا تبعدهم عن مجلسك لأجل ضعفهم وفقرهم . يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي يتوجهون بذلك إليه لا إلى غيره والوجه يعبر به عن ذات الشيء وحقيقته وتقييده به لتأكيد عليته للنهي ، فإن الإخلاص من أقوى موجبات الإكرام المضاد للطرد . ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ هذا كلام معترض بين النهي وجوابه متضمن لنفي الحامل على الطرد ، أي حساب هؤلاء الذين أردت أن تطردهم موافقة لمن طلب ذلك منك هو على أنفسهم ما عليك منه شيء وحسابك على نفسك ما عليهم منه شيء فعلام تطردهم . هذا على فرض صحة وصف من وصفهم بقوله : ما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا [ هود : 27 ] وطعن عندك في دينهم وحسبهم ، فكيف وقد زكاهم اللّه عز وجل بالعبادة والإخلاص وهذا هو مثل قوله تعالى : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [ الأنعام :